المقريزي
مقدمة 92
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
« ثمّ لمّا انحلّ نظام الدّولة الإسلامية وتناقصت ، تناقص ذلك أجمع ودرست معالم بغداد بدروس الخلافة ، فانتقل شأنها من الخطّ والكتابة بل والعلم إلى مصر والقاهرة ، فلم تزل أسواقه نافقة لهذا العهد ، وله بها معلّمون يرسمون للمتعلّم الحروف بقوانين في وضعها وأشكالها متعارفة بينهم ، فلا يلبس المتعلّم أن يحكم أشكال تلك الحروف على تلك الأوضاع » « 1 » . وتشهد الأعمال التي أنتجها العصر المملوكي ووصلت إلينا على مدى ما بلغه فنّ الخطّ من تجويد في هذا العصر . فقد وقف أغلب سلاطين المماليك وكبار أمرائهم ، على الجوامع والمدارس والخوانك والتّرب التي أنشأوها ، مصاحف ضخمة كتبها كبار الخطّاطين في هذه الفترة أمثال : ابن الوحيد وابن الصّائغ وعلي بن محمد الأشرفي وموسى بن إسماعيل الحجيني ، كتبت بخطّ الطّومار وخطّ الثّلث والخطّ الرّيحان والخطّ المحقّق ، وتتميّز جميع هذه المصاحف بالتّذهيب الكامل والزّخرفة الكاملة لفاتحة المصحف وخاتمته ، وكذلك كثرة نماذج الأرابيسك الموجودة في أوّل المصحف قبل الفاتحة Frontispice . ويوجد القسم الأكبر من هذه المصاحف الآن في دار الكتب المصرية بالقاهرة ، نقل إليها من هذه المساجد والمدارس ، ولكن قسما آخر منها عرف طريقه ، في تاريخ سابق ، إلى بعض المجموعات العالمية وعلى الأخصّ في مكتبة شستربتي بدبلن Chestter Beaty ومجموعة Kheir بلندن ومتحف طوبقبو سراي ومتحف الأوقاف بإستانبول والمكتبة الوطنية في باريس والمكتبة البريطانية في لندن « 2 » . ويهمّني هنا الإشارة إلى واحد من أهمّ وأوائل المصاحف المملوكية التي وصلت إلينا ، كان موقوفا على أحد أهمّ خوانك القاهرة التي ذكرها المقريزي ، هي « الخانكاه الرّكنية بيبرس » بالجمالية ؛ فقد وصل إلينا المصحف الذي وقفه بيبرس الجاشنكير على هذه الخانكاه ، وهو محفوظ الآن بالمكتبة البريطانية بلندن ويقع في سبعة أجزاء وقياسه 48 * 32 سم ، وهو المصحف
--> ( 1 ) ابن خلدون : المقدمة 968 . ( 2 ) راجع لتفاصيل أكثر James , D . , Qur'ans of the Mamluks , London - Alexandria Press 1988 ؛ أيمن فؤاد : الكتاب العربي المخطوط 313 - 324 ؛ يمنى محمد مرتضى : زخرفة المصحف الشّريف في عصر المماليك ، رسالة ماجستير بآثار القاهرة 1998 .